المواريث >> مقالات و دراسات و دروس فى الميراث >> تأملات فى آيات المواريث
كتب: أ.د رضا نصار     تاريخ النشر: 06 - 04 - 2014     الزيارات: 6239


تأملات فى آيات وأحاديث المواريث

 

إن القرآن المجيد دستور الأمة الخالد ومعجزة الرسول الباقية ما بقيت السماوات والأرض .. أخرج به الناس من الظلمات الى النور وهداهم بإذن الله الى أهدى سبيل وصدق الله العظيم القائل "قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ".

ومن ثم .. فقد رجع العلماء اليه فى شتى علومهم يستهدون منه ويستشهدون به .. وسيظل القرآن المجيد هكذا إلى أن يرث الله الأرض وما عليها ..

دارت حوله دراسات لا تحصى كثرة وتنوعا، ما تركت شأنا من شئونه إلا تناولته بالبحث والبيان .. وسيظل القرآن منهلا ينهل منه العلماء .. وموئلا يرده أولوا النهى "قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْر مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْر قَبْل أَنْ تَنْفَد كَلِمَات رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا" ، "وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".

ومن عظمة القرآن وإعجازه ، وفاؤه بحاجات البشر، هذا الوفاء التام لا تظفر به ولا تجد له نظيرا فى أى تشريع .. يظهر هذا جليا حين نفقه المقاصد السامية والأهداف النبيلة التى يرمى اليها القرآن المجيد:

• إصلاح العقيده بتوجيه الخلق إلى حقيقة الإيمان الخالص ..

• إصلاح العبادة بتوجيه الخلق إلى ما يزكى النفس ويرقى بها ..

• الإصلاح المالي بتوجيه الخلق إلى أقوم وأهدى سبيل للحفاظ على المال من التلف والضياع .. كيف يُكتسب وكيف يُنفق وكيف يوزع بين الأرحام ..

وهكذا إذاً نجد القرآن المجيد ينظم شئون الحياة فى كل جوانبها.

 

          ومن عظمة هذا المنهج الربانى أنه أبان أوضح البيان قضية فى غاية الأهميه فى حياة الناس هى قضية توزيع التركات – الميراث – بعد وفاة صاحب المال . فلم يدع الحق سبحانه أمر الميراث لقائل يقول فيه برأى أو اجتهاد .. لكن أعطى كل ذى حق حقه وكل صاحب فرض فرضه.. "أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ".

ونلحظ فى آيات المواريث ختاما يثلج الصدور ويطمئن القلوب وتقر به العيون:

• "فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا"

• "وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ"

• "يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"

هذه الآيات الإعجازيه الكريمه التى تفى بحاجات البشر .. وتجتث من الأنفس كل غوائل الأنانيه والأقرة وحب الذات ، ومن ثم .. نرى عظمة التشريع للميراث .. فلولا هذا التشريع الإلهى المحكم لاستحالت حياة البشر إلى جحيم لا يطاق وذلك من خلال استئثار ثلة قليلة من البشر فى رأس المال .. يتحكمون فى أقوات الخلق .. فروعة التشريع نراها جلية فى التعبير القرآنى العظيم "كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ" ماذا لو بقيت الثروة فى أيدى فئة من الناس ومُنع الآخرون؟؟.

إن الحق سبحانه العليم بأسرار الخلق وما يصلحهم شرع ما تقرّ أعيُن الصادقين به .

وهذا العلم الجليل القدر .. يُعرف به من يرث ومن لا يرث ومقدار ما لكل وارث ..فهو نصيب مقدر شرعا للوارث صاحب الحق.

 

          ولأهمية هذا العلم حث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على تعليمه وتعلمه .. روى البيهقى فى سنته عن ابن مسعود رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ ، وَتَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ ، وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ ، وَتَعَلَّمُوا الْعِلْمَ ، وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ ، فَإِنِّي مَقْبُوضٌ ، وَإِنَّ الْعِلْمَ سَيَنْقُصُ ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ ، حَتَّى يَخْتَلِفَ الاثْنَانِ فِي فَرِيضَةٍ ، لا يَجِدَانِ إِنْسَانًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا" وفطن الأصحاب الكرام رضى الله عنهم لهذه الحقيقة فحثّوا على ما حث عليه رسولنا الأكرم صلوات الله وسلامه عليه. يؤثر عن سيدنا عمر رضى الله عنه قوله "تعلموا الفرائض فإنها من دينكم" وابن مسعود رضى الله عنه يقول "من تعلم القرآن فليتعلم الفرائض". ورحم الله علماءنا فقد أطلقوا على علم الفرائض أنه نصف العلم ، فعن بشر بن الحكم قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول "إنما قيل الفرائض نصف العلم لأنه يُبتلى به الناس كلهم"..

أو نصف العلم باعتبار الثواب، كما أن علم الفرائض يستفاد من النص فلا مجال فيه لقياس أو اجتهاد.

 

          وقد اشتهر على لسان علمائنا الأماجد "تعلموا الفرائض فإنها نصف العلم" ومن ثم .. لا غرابة أن يؤثر عن بعض الأماجد من الصحابة الكرام رضى الله عنهم اهتمامهم وحبهم وشغفهم بهذا العلم .. ومن هؤلاء الأصفياء على وزيد بن ثابت وابن عباس وابن مسعود وغيرهم. فإذا اتفق هؤلاء على مسألة فحسب الأمة موافقتهم .. ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يقول أرحم أمتى أبو بكر وأشدهم فى دين الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأفرضهم زيد ، وأقرؤهم أُبىّ ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ ، وإن لكل أمة أميناً وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" رضى الله عن الآل والأصحاب أجمعين، وسيظل ذكرهم خالدا وباقيا كلما ذُكر علم الفرائض.

وفى بيان القرآن المجيد لهذا خطت سورة النساء بأوضح بيان لأصحاب الفروض و مقدار كل فرض لصاحبه.

وحسبنا قول الله تبارك وتعالى فى آيات الفرائض سورة النساء:

" لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا" النساء (7)

 

"يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا"   النساء  (11)

 

"وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ" النساء  (12)

 

"يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" النساء (176)

هذه آيات علم الفرائض،

فى صحيح البخارى مسلم عن جابر بن عبد الله قال عادني النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة ماشيين ، فوجدني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئا ، فدعا بماء فتوضأ منه ، ثم رش علي فأفقت ، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله ، فنزلت يوصيكم الله في أولادكم سورة النساء آية 11.

وفى الصحيح عن جابر قال جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أُحُد شهيدا وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا تنكحان إلا ولهما مال قال يقضي الله في ذلك فنزلت آية الميراث فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال "أعط ابنتي سعد الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فهو لك" ..

وهذه الآيات الكريمه والأحاديث الشريفة جمعت أصول وأركان وأحكام الميراث ومن وعاها حفظا وتفسيرا وفهما لمقاصدها أصبح من الميسور لديه معرفة نصيب كل ذى حق فى الميراث ،وأدرك حكمة التشريع الإلهى فى تلك القسمة العادلة قسمة لا يُظلم فيها أحد ولا فرق فيها بين كبير وصغير ولا ذكر وأنثى .. فقد أُعطى كل ذى حق حقه .. وهذا من أروع وأبدع صور المساواة ،وأدق وأعظم أصول العدل بين البشر .. وينمو الإجلال ويعظم فى النفس حين يدرك المخلوق الضعيف .. أن الذى قسم هو أعلم بخلقه من أنفسهم " أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" الملك (14).

 

          ومع ذكر هذا الإجلال والتعظيم لهذا التشريع الإلهى المحكم ، نذكر موقفا تنحنى له البشرية إجلالاً واعظاما ..

هذا الموقف الخالد لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ..

فى الصحيح عن سعد بن الربيع قال عادنى رسول الله صلى الله عليه وسلم لمرض ألم بى فقلت يا رسول الله إنى ذو مال ولا يرثنى إلا ابنتى أفأتصدق بثلثى مالى ؟ قال  "لا" قال فبنصفه؟ قال "لا" قال فبثلثه؟ قال –عليه الصلاة والسلام – "الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" وكان هذا قبل استشهاده فى أحد.

وإن هذا الموقف ليبنىء عن حقيقة  مهمة نأخذ منها حكمة تشريعية عظيمه من المربى العظيم صلوات الله وسلامه عليه وهى أن يقين الإنسان انه تارك لكل ما يجمع – مهما كثر – إلا أنه يحب دائما الزيادة وأن يترك ذويه فى يسار وسعة من العيش. وحين يدرك الإنسان هذا لا يدخر وسعا فى اثراء المجتمع اقتصادياً.. ومن ثم نرى العظمة فى الحث على النمو الإقتصادى فى حياة الأفراد من خلال هذا الموقف العظيم "إنك إن تذر ورثتك اغنياء خير من أن تذرهم عالة".

 

         ومن خلال هذا التوجيه القرآنى والنور النبوى .. شمر علماؤنا الأكارم عن ساعد الجد فاستجابوا الدعوة الحق من الرسول الكريم من قوله "تعلموا الفرائض وعلموها فإنها نصف العلم وهو يُنسى وهو أول شىء يُنتزع من أمتى".

هذا التوجيه المؤكد شحذ همة علمائنا .. فقعدوا وأسسوا ووضعوا الضوابط المحكمه لعلم الفرائض –المواريث – تراثاً وما تركوا ثلمةً تُسدّ ولا خرقاً يُرفأ .. ولكن خلفوا تراثاً يُذكر بالإجلال والتعظيم أناروا الطريق لكل من يأتى من بعدهم وتعاقبت الأزمنة وتوالت القرون وكل يحاول أن ينال شرف الإنتساب ويحظى بالرضا والثواب.

 

أ.د/ رضا محمود نصار - جامعة الأزهر

• مقالات ذات علاقة:أحكام الوصية الواجبة و كيفية تطبيقها
جدول تقسيم الميراث - 4 جداول بجودة فائقة
آيات الفرائض سورة النساء آيات الميراث
مسائل الميراث المشهورة و الملقبة و الخاصة وكيفية حلها
التعليقات: